خفف السرعة

تخرج‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬المنزل،‭ ‬تغلقه‭ ‬وتمشي‭ ‬إلى‭ ‬سيارتك،‭ ‬تشغل‭ ‬المحرك‭ ‬لتبدأ‭ ‬حياتك‭ ‬بانطلاقة‭ ‬سريعة‭ ‬نحو‭ ‬الطريق‭ ‬العام‭. ‬لتلتحق‭ ‬سيارتك‭ ‬بموجة‭ ‬المركبات‭ ‬التي‭ ‬ابتلعها‭ ‬الطريق‭. ‬أنت‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الموجة‭ ‬وعضو‭ ‬فعال‭ ‬في‭ ‬حركتها‭ ‬وسرعتها‭. ‬يخفف‭ ‬السائق‭ ‬الموجود‭ ‬أمامك‭ ‬فتقوم‭ ‬بالمثل،‭ ‬يزيد‭ ‬سرعته‭ ‬فتحذو‭ ‬حذوه‭. ‬هي‭ ‬موجة‭ ‬ضخمة‭ ‬متجانسة‭ ‬تمشي‭ ‬عبر‭ ‬تيّارها‭ ‬الذي‭ ‬يتحكم‭ ‬بك‭ ‬حتى‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬مقصدك‭. ‬فتعطي‭ ‬إشارة‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الموجة‭ ‬العظيمة‭ ‬وتنفصل‭ ‬عنها‭  ‬لتسكن‭ ‬روحك‭ ‬وتعود‭ ‬إلى‭ ‬انسانيتك‭.‬

أذكر‭ ‬عندما‭ ‬كنت‭ ‬صغيرًا،‭ ‬أخرج‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬المنزل‭ ‬ذاهبًا‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة‭. ‬أمشي‭ ‬الهوينى‭ ‬وأرى‭ ‬مايدور‭ ‬حولي‭ ‬بعين‭ ‬بصيرة‭. ‬أقرأ‭ ‬مظاهر‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬أخترقها‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬طريقي‭. ‬تشد‭ ‬انتباهي‭ ‬الأشياء‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬أخطو‭ ‬بجانبها‭ ‬أو‭ ‬أدوس‭ ‬عليها‭. ‬هناك‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬النمل‭ ‬تعمر‭ ‬بيتها،‭ ‬تحفر‭ ‬وتجمع‭ ‬حبيبات‭ ‬الرمل‭ ‬الرطبة‭ ‬تكوِّرها‭ ‬وتقذف‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬خارج‭ ‬الحفرة‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬باعمارها‭. ‬أقف‭ ‬ارقبها‭ ‬وأتفكر‭ ‬فيها‭. ‬أمشي‭ ‬تحت‭ ‬السدرة‭ ‬الكبيرة‭ ‬فأرفع‭ ‬رأسي‭ ‬لأرى‭ ‬أمة‭ ‬من‭ ‬الطيور‭ ‬تعلوها‭ ‬وهي‭ ‬تغرد‭ ‬بسمفونيات‭ ‬جميلة،‭ ‬أملأ‭ ‬أذني‭ ‬بموسيقاها‭ ‬العذبة‭ ‬واستمر‭ ‬في‭ ‬طريقي‭. ‬أمشي‭ ‬بهدوء‭ ‬كي‭ ‬لاأزعج‭ ‬ماحولي‭. ‬ألتقط‭ ‬ورقة‭ ‬برّاقة‭ ‬من‭ ‬الأرض،‭ ‬أرفعها‭ ‬وأتأمل‭ ‬انعكاس‭ ‬أشعة‭ ‬الشمس‭ ‬عليها،‭ ‬أرى‭ ‬الشمس‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬ويعجبني‭ ‬تغير‭ ‬لونها‭.‬

كانت‭ ‬سرعة‭ ‬الحياة‭ ‬حولنا‭ ‬عادية‭ ‬ذات‭ ‬ايقاع‭ ‬بطيء‭. ‬نتأمل‭ ‬ماحولنا‭ ‬بحب‭ ‬ونتذوق‭ ‬جماله‭ ‬بصدق‭. ‬يحلق‭ ‬بنا‭ ‬هذا‭ ‬التأمل‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬فكري‭ ‬رفيع‭ ‬واستقرار‭ ‬نفسي‭ ‬جميل‭ ‬نفتقده‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ . ‬كنا‭ ‬نستغرق‭ ‬في‭ ‬التفكر‭ ‬في‭ ‬صغائر‭ ‬الأمور‭ ‬وكان‭ ‬لدينا‭ ‬الوقت‭ ‬لذلك‭. ‬كنا‭ ‬نعزف‭ ‬أمور‭ ‬حياتنا‭ ‬بايقاع‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬ماهيتنا‭ ‬كبشر‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬لنتلذذ‭ ‬باللحظة‭. ‬نعيش‭ ‬حياتنا‭ ‬بلحظتها‭ ‬فلا‭ ‬نسترجع‭ ‬ماض‭ ‬يعكر‭ ‬صفوها‭ ‬ولا‭ ‬نخطط‭ ‬لمستقبل‭  ‬يسرقنا‭ ‬من‭ ‬عيشها‭. ‬فنحن‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬الحاضر‭ ‬نحاول‭ ‬اسعاد‭ ‬انفسنا‭ ‬واسعاد‭ ‬من‭ ‬حولنا‭. ‬

حتى‭ ‬غدونا‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬في‭ ‬عجلة‭ ‬من‭ ‬أمرنا‭ ‬لدرجة‭ ‬أننا‭ ‬لانعرف‭ ‬البيئة‭ ‬من‭ ‬حولنا‭. ‬هل‭ ‬تعرف‭ ‬تفاصيل‭ ‬الشارع‭ ‬الذي‭ ‬تقطنه‭ ‬منذ‭ ‬سنوات؟‭ ‬هل‭ ‬تعرف‭ ‬لون‭ ‬الرصيف‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬الشارع؟‭ ‬كم‭ ‬شجرة‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬شارعكم؟‭ ‬مانوعها؟‭ ‬هل‭ ‬تسكنها‭ ‬طيور‭ ‬مغردة؟‭ ‬كم‭ ‬عدد‭ ‬الأطفال‭ ‬لدى‭ ‬المنزل‭ ‬المقابل‭ ‬لسكنك؟‭  ‬كم‭ ‬عدد‭ ‬أعمدة‭ ‬الإنارة‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬الموجود‭ ‬خلفكم؟‭  ‬تفاصيل‭ ‬كثيرة‭ ‬لانعرفها‭ ‬لأشياء‭ ‬هي‭ ‬أقرب‭ ‬ماتكون‭ ‬منّا‭. ‬لأننا‭ ‬ببساطة‭ ‬مستعجلين‭ ‬دائمًا‭ ‬وأبدًا‭. ‬

نصيحة‭ ... ‬عش‭ ‬حياتك‭ ‬وخفف‭ ‬السرعة‭.‬

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحياة رحلة أم وجهة

الكاتم

نصيحة