يارب

إلهي‭ ... ‬خلقتني‭ ‬بمشيئة‭ ‬منك‭. ‬شئت‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬فكنت‭. ‬بدأت‭ ‬طفلاً‭  ‬صغيراً‭ ‬لا‭ ‬أفقه‭ ‬شيئاً‭. ‬سخرت‭ ‬لي‭ ‬حنان‭ ‬ورحمة‭ ‬أمي‭ ‬لتقوم‭ ‬برعايتي،‭ ‬تتألم‭ ‬لألمي‭ ‬وتفرح‭ ‬لفرحي،‭ ‬لأكبر‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬وأستوعب‭ ‬ما‭ ‬حولي‭. ‬فهمت‭ ‬بحاجتي‭ ‬إلى‭ ‬الاتصال‭ ‬ببيئتي،‭ ‬فبدأت‭ ‬أنطق‭ ‬بكلمات‭ ‬أعبر‭ ‬بها‭ ‬عمّا‭ ‬أريد‭. ‬أبكي‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬فهمي‭ ‬وأضحك‭ ‬إذا‭ ‬حصلت‭ ‬على‭ ‬مبتغاي‭. ‬

لأكبر‭ ‬وأفهم‭ ‬أنه‭ ‬يجب‭ ‬علي‭ ‬أن‭ ‬أتعب‭ ‬قليلاً‭ ‬لأحصل‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أريد‭. ‬وجل‭ ‬ما‭ ‬أريد‭ ‬هو‭ ‬الحب‭ ‬والعطف‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬كانا‭ ‬والداي‭ ‬يغلفان‭ ‬به‭ ‬حياتي‭. ‬أستمع‭ ‬إليهم‭ ‬وأفعل‭ ‬ما‭ ‬يقولون‭ ‬لأكون‭ ‬عند‭ ‬حسن‭ ‬ظنهم‭ ‬ولكي‭ ‬لا‭ ‬أخسر‭ ‬هذا‭ ‬الرابط‭ ‬الذي‭ ‬به‭ ‬أعيش‭. ‬وهل‭ ‬يستطيع‭ ‬إبن‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬بلا‭ ‬حب؟‭ ‬هل‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يستمر‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬بلا‭ ‬انتماء؟‭ ‬وتنقضي‭ ‬من‭ ‬عمري‭ ‬سنين‭ ‬ليزداد‭ ‬نضجي‭ ‬وأفهم‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬شخصي‭. ‬أحاول‭ ‬أن‭ ‬أحوز‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬تتبلور‭ ‬أفكاري‭ ‬بشكل‭ ‬واضح،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي،‭ ‬ليبدأ‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭. ‬أعارض‭ ‬الجميع‭ ‬ليكون‭ ‬لي‭ ‬كياني‭ ‬وتفكيري‭ ‬المستقل‭. ‬أحاول‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لي‭ ‬رأي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬في‭ ‬نوع‭ ‬الأكل‭ ‬الذي‭ ‬أرفضه‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الأحيان‭ ‬لأني‭ ‬ببساطة‭ ‬لاأرغب‭ ‬في‭ ‬تناوله،‭ ‬في‭ ‬البرنامج‭ ‬الذي‭ ‬نشاهده‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬التلفاز،‭ ‬في‭  ‬زيارة‭ ‬الأقارب،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يرغب‭ ‬به‭ ‬أفراد‭ ‬عائلتي‭. ‬ألقى‭ ‬المعارضة‭ ‬منهم‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬قراراتي،‭ ‬لأتحول‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الوحش‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يرضى‭ ‬بالتقليل‭ ‬من‭ ‬رغباته‭ ‬والتي‭ ‬أشعر‭ ‬بأنها‭ ‬الأفضل‭ ‬لي‭ ‬ولمن‭ ‬هم‭ ‬حولي‭. ‬اعتدادي‭ ‬بنفسي‭ ‬وثقتي‭ ‬بصحة‭ ‬قراراتي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬أوجها‭. ‬أشعر‭ ‬أن‭ ‬الجميع‭ ‬ضدي‭ ‬ولا‭ ‬يرغبون‭ ‬بإسعادي‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬تلك‭ ‬الرغبات‭. ‬لم‭ ‬أفكر‭ ‬قط‭ ‬بأنهم‭ ‬يقومون‭ ‬بذلك‭ ‬لحمايتي‭. ‬فلم‭ ‬أكن‭ ‬سوى‭ ‬مراهق‭ ‬يشعر‭ ‬بأن‭ ‬الجميع‭ ‬يعيشون‭ ‬خارج‭ ‬زمانه‭. ‬لا‭ ‬يفهمون‭ ‬مستجدّات‭ ‬الحياة‭ ‬ولا‭ ‬يرغبون‭ ‬في‭ ‬ذلك‭. ‬هي‭ ‬قرارات‭ ‬يتخذها‭ ‬أبي‭ ‬وأمي‭ ‬ويريدونني‭ ‬أن‭ ‬أخضع‭ ‬لها‭ ‬فقط‭ ‬لمجرد‭ ‬الخضوع‭. ‬فهم‭ ‬السلطة‭ ‬العليا‭ ‬ونحن‭ ‬الأبناء‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يفقهون‭ ‬شيئاً‭. ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬تزداد‭ ‬سنين‭ ‬عمري‭ ‬لتحيطني‭ ‬بحبك‭ ‬ورحمتك‭  ‬حتى‭ ‬كبرت،‭  ‬منحتني‭ ‬عقلاً‭ ‬مفكراً،‭ ‬يتفكر‭ ‬في‭ ‬عالمه‭ ‬الذي‭ ‬حوله‭ ‬ويحاول‭ ‬أن‭ ‬يفهم‭ ‬علاقته‭ ‬به‭. ‬فجأة‭ ... ‬وخلال‭ ‬دراستي‭ ‬الجامعية،‭ ‬أستوعب‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬كانت‭ ‬غائبة‭ ‬عن‭ ‬تفكيري‭. ‬يزداد‭ ‬إحساسي‭ ‬وتفكيري‭ ‬شمولًا‭ ‬لتنضوي‭ ‬الإنسانية‭ ‬جمعاء‭ ‬تحت‭ ‬جناحه‭. ‬أتعمق‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬الدين‭ ‬والتاريخ،‭ ‬فهم‭ ‬الحرية‭ ‬والخضوع،‭ ‬فهم‭ ‬السلم‭ ‬والحرب،‭ ‬فهم‭ ‬الحب‭ ‬والكره،‭ ‬فهم‭ ‬الأنا‭ ‬والآخر‭. ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬أضع‭ ‬نفسي‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬الآخر‭ ‬لأفهم‭ ‬إحساسه‭ ‬وشعوره‭. ‬لأرى‭ ‬كيف‭ ‬يهان‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬مشاعره‭ ‬بأبسط‭ ‬الكلمات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬نعير‭ ‬لها‭ ‬انتباهًا،‭ ‬لأشعر‭ ‬بإحساس‭ ‬طفل‭ ‬صغير‭ ‬طلبنا‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يكف‭ ‬عن‭ ‬عمل‭ ‬شيء‭ ‬يحبه،‭ ‬وياله‭ ‬من‭ ‬إحساس‭ ‬أعطاني‭ ‬الشعور‭ ‬بأننا‭ ‬جميعًا‭ ‬سواسية،‭ ‬لا‭ ‬تفضيل‭ ‬بيننا‭ ‬لعنصرية‭ ‬خلقناها‭ ‬نحن‭ ‬البشر‭ ‬لنحصل‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬نريد‭ ‬غير‭ ‬مكترثين‭ ‬لما‭ ‬يريده‭ ‬الآخرون‭. ‬أتزوج‭ ‬فتدخل‭ ‬في‭ ‬عالمي‭ ‬إنسانة‭ ‬تندمج‭ ‬معي‭ ‬واندمج‭ ‬معها‭ ‬لنكون‭ ‬شخصًا‭ ‬ثالثًا‭ ‬له‭ ‬قلبين‭ ‬يعملان‭ ‬على‭ ‬وتيرة‭ ‬واحدة‭ ‬ويعزفان‭ ‬على‭ ‬نسق‭ ‬فريد‭. ‬نعيش‭ ‬حياة‭ ‬العاشقين‭ ‬ونتلمس‭ ‬مسار‭ ‬حياتنا،‭ ‬نتعلم‭ ‬من‭ ‬أخطاؤنا‭ ‬وتأخذنا‭ ‬نجاحاتنا‭ ‬إلى‭ ‬أفق‭ ‬بعيدة‭. ‬يرزقنا‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬بطفل‭ ‬ولَّد‭ ‬لدينا‭ ‬مشاعر‭ ‬جديدة‭ ‬ليزيد‭ ‬مساحة‭ ‬الحب‭ ‬والفرح‭ ‬والخوف‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭. ‬أفكر‭ ‬جدِّيًّا‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬وما‭ ‬أريده‭ ‬لنا‭. ‬أتخرّج‭ ‬وأعمل‭ ‬لأنزع‭ ‬أنفسنا‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬ألفناه‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬جديد‭ ‬علينا،‭ ‬نستقل‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬أكون‭ ‬فيه‭ ‬أنا‭ ‬العائل‭ ‬الوحيد‭ ‬والمسئول‭ ‬عن‭ ‬طلبات‭ ‬ورغبات‭ ‬الجميع‭. ‬تزيد‭ ‬الأسرة‭ ‬لتكبر‭ ‬وتكبر،‭ ‬لتزيد‭ ‬المسئولية‭ ‬علينا‭ ‬لأعود‭ ‬كما‭ ‬بدأت‭ ‬أحاول‭ ‬أن‭ ‬أوازي‭ ‬بين‭ ‬الرغبات‭ ‬والطلبات،‭ ‬لأني‭ ‬أفهم‭ ‬الآن‭ ‬ما‭ ‬تعني‭ ‬رغبة‭ ‬طفل‭ ‬وإحساس‭ ‬طفلة‭. ‬بعد‭ ‬عدّة‭ ‬تنقلات‭ ‬بين‭ ‬منازل‭ ‬وأعمال‭ ‬كثيرة‭ ‬يستقر‭ ‬بي‭ ‬المطاف‭ ‬في‭ ‬مسقط‭ ‬رأسي‭ ‬لأعمل‭ ‬في‭ ‬الظهران‭ ‬واقطن‭ ‬في‭ ‬الخبر‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تقلصت‭ ‬العائلة‭ ‬بزواج‭ ‬ثلاث‭ ‬من‭ ‬بناتنا‭ ‬ليعودوا‭ ‬ألينا‭ ‬كل‭ ‬نهاية‭ ‬أسبوع‭ ‬ليملأ‭ ‬الأحفاد‭ ‬فراغات‭ ‬البيت‭ ‬صراخًا‭ ‬وضحكَا‭. ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬زادت‭ ‬عائلتنا‭ ‬بوجود‭ ‬ابني‭ ‬وعائلته‭ ‬معنا‭ ‬حيث‭ ‬بكر‭ ‬وليان‭ ‬وابنتي‭ ‬سارة‭ ‬يملؤون‭ ‬مساحات‭ ‬البيت‭ ‬فرحًا‭ ‬وسعادةً‭. ‬شكرًا‭ ‬إلهي‭ ‬على‭ ‬حسن‭ ‬التدبير،‭ ‬أسألك‭ ‬ربي‭ ‬التوفيق‭ ‬لأبنائي‭ ‬وبناتي‭ ‬وأحفادي‭ ‬وحفيداتي‭ ‬لما‭ ‬فيه‭ ‬خيرهم‭ ‬ورضاك‭ ‬وأسألك‭ ‬أن‭ ‬تغفر‭ ‬لنا‭ ‬وتحسن‭ ‬خاتمتنا‭.‬

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحياة رحلة أم وجهة

قبل أن أكون

نصيحة