الكناري

مرتاح‭ ‬في‭ ‬سكنه‭ ‬الفسيح‭. ‬يأتي‭ ‬إليه‭ ‬رزقه‭ ‬بدون‭ ‬تعب‭. ‬حرٌّ‭ ‬طليقٌ،‭ ‬يفرد‭ ‬جناحيه‭ ‬ويقصد‭ ‬أي‭ ‬زاوية‭ ‬يرغب‭ ‬الذهاب‭ ‬إليها‭. ‬جو‭ ‬عليل‭ ‬طول‭ ‬أيّام‭ ‬السنة‭. ‬ينام‭ ‬أنّا‭ ‬أراد‭ ‬ويصحو‭ ‬متى‭ ‬ماشاء‭. ‬لارقيب‭ ‬ولاعتيد‭. ‬سعيدٌ‭ ‬طوال‭ ‬سنين‭ ‬عمره‭ ‬الرتيبة‭ ... ‬حتى‭ ‬بدأ‭ ‬الروتين‭ ‬ينقض‭ ‬على‭ ‬رقبته‭ ‬ويكاد‭ ‬يمنع‭ ‬عنه‭ ‬الهواء‭ ‬الذي‭ ‬يتنفسَّه‭. ‬

تتغير‭ ‬حياته‭ ‬بمجرّد‭ ‬دخولها‭ ‬عليه،‭ ‬ومشاركته‭ ‬سكنه‭ ‬وساعات‭ ‬يومه‭. ‬يفرح‭ ‬بها‭ ‬فرَحًا‭ ‬كبيرًا،‭ ‬فقد‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬يغيِّر‭ ‬ساعات‭ ‬عيشه‭ ‬ويخلخل‭ ‬روتين‭ ‬حياته‭. ‬يعيشان‭ ‬أيّامًا‭ ‬من‭ ‬السعادة‭ ‬والتغيير‭ ‬حتّى‭ ‬إذا‭ ‬ماعاد‭ ‬شبح‭ ‬الروتين‭ ‬البغيض‭ ‬يعزف‭ ‬سينفونيّته‭ ‬الحزينة‭ ‬ليملأ‭ ‬بها‭ ‬صدورهم‭ ‬ويحسب‭ ‬عليهم‭ ‬أنفاسهم،‭ ‬تحوَّل‭ ‬سكنهم‭ ‬الفسيح‭ ‬إلى‭ ‬صندوق‭ ‬صغير‭ ‬وسجنٍ‭ ‬كئيب‭.‬

تحدثه‭ ‬عن‭ ‬الطيران‭ ‬إلى‭ ‬مسافات‭ ‬عالية،‭ ‬تفوق‭ ‬ارتفاع‭ ‬مسكنهم‭ ‬مئات‭ ‬المرّات‭. ‬تحدثه‭ ‬عن‭ ‬أنواع‭ ‬المأكولات‭ ‬الغريبة‭ ‬التي‭ ‬تتميز‭ ‬بطعمها‭ ‬المختلف‭ ‬وبطريقة‭ ‬الحصول‭ ‬عليها‭. ‬تحدثه‭ ‬بانقضاضها‭ ‬من‭ ‬علٍ‭ ‬علّها‭ ‬تفوز‭ ‬بتلك‭ ‬الدودة‭ ‬التي‭ ‬تسرع‭ ‬عائدةً‭ ‬إلى‭ ‬جحرها‭ ‬حيث‭ ‬الأمن‭ ‬والأمان‭. ‬تحدِّثه‭ ‬عن‭ ‬النهر‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬تحفه‭ ‬الأشجار‭ ‬المثمرة‭ ‬والتي‭ ‬تلجأ‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬الأيّام‭ ‬المطيرة‭ ‬لترتاح‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬فروعها‭ ‬وتقتات‭ ‬من‭ ‬ثمارها‭ ‬الطيِّبة‭. ‬تحدِّثه‭ ‬عن‭ ‬لذّة‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬قوتها‭ ‬بعد‭ ‬كد‭ ‬وتعب‭ ‬وتخطيط‭. ‬تحدثه‭ ‬عن‭ ‬لذة‭ ‬الإنتصار‭ ‬والتغلب‭ ‬على‭ ‬العدو‭ ‬ولذة‭ ‬الصبر‭ ‬لحين‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬المراد‭.‬

تحدثه‭ ‬بكل‭ ‬ذلك‭ ‬وهو‭ ‬يتخيل‭ ‬ماتقوله‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬له‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الصندوق،‭ ‬فقد‭ ‬وُلِدَ‭ ‬وعاش‭ ‬سنين‭ ‬عمره‭ ‬فيه‭ ‬ولايفقه‭ ‬غيره‭. ‬عاش‭ ‬معها‭ ‬حُلُمًا‭ ‬جميلًا‭ ‬يتخيله‭ ‬في‭ ‬عقله‭ ‬وهو‭ ‬خائف‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يجرب‭ ‬تلك‭ ‬المغامرات‭ ‬سابقًا‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬يعلم‭ ‬بوجودها‭ ‬أصلًا‭. ‬حدود‭ ‬تفكيره‭ ‬لاتخرج‭ ‬من‭ ‬جدران‭ ‬هذا‭ ‬الصندوق‭ ‬وحدود‭ ‬حريته‭ ‬لاترتفع‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬سقفه‭.‬

هل‭ ‬فهمت‭ ‬مغزى‭ ‬القصة؟‭ ‬فمعظمنا‭ ‬يعيش‭ ‬مثل‭ ‬طائر‭ ‬الكناري‭ ‬في‭ ‬الصندوق‭ ‬إيّاه‭. ‬لانحب‭ ‬التفكير‭ ‬خاج‭ ‬صندوقنا‭. ‬نأخذه‭ ‬معنا‭ ‬حيث‭ ‬ذهبنا‭ ‬لنجعل‭ ‬حدوده‭ ‬تساعدنا‭ ‬على‭ ‬تفسير‭ ‬الخوف‭ ‬الذي‭ ‬داخل‭ ‬أعماقنا‭. ‬جدران‭ ‬هذا‭ ‬الصندوق‭ ‬هي‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التقاليد‭ ‬والعادات‭ ‬التي‭ ‬لانرغب‭ ‬بالتمرد‭ ‬عليها،‭ ‬خوفًا‭ ‬من‭ ‬مجابهة‭ ‬الآخرين‭. ‬دائمًا‭ ‬مانوافق‭ ‬الأغلبيّة‭ ‬في‭ ‬رأيها،‭ ‬كي‭ ‬لانكون‭ ‬شاذين‭ ‬عنهم‭. ‬لانقيم‭ ‬لرأينا‭ ‬أي‭ ‬اعتبار‭ ‬إذا‭ ‬ماكان‭ ‬مخالفًا‭ ‬للجمهور‭ ‬السائد‭. ‬وحرّيتنا‭ ‬محدودةً‭ ‬بسقف‭ ‬ذلك‭ ‬الصندوق‭. ‬إنها‭ ‬عراقيل‭ ‬بنيناها‭ ‬بأيدينا‭ ‬لتغلفنا‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬الجهات‭. ‬


لنغير‭ ‬ذلك‭ ‬بإعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬والإطّلاع‭ ‬على‭ ‬الشعوب‭ ‬والأقوام‭ ‬الأخرى،‭ ‬فقد‭ ‬يكون‭ ‬لديهم‭ ‬من‭ ‬العلم‭ ‬مايساعدنا‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬مصائبنا‭. ‬فالحكمة‭ ‬ضالة‭ ‬المؤمن‭ ‬أنّا‭ ‬وجدها‭ ‬فهو‭ ‬أحق‭ ‬بها‭. ‬فلنتحاور‭ ‬مع‭ ‬الآخر‭ ‬ولندلي‭ ‬بدلونا‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الأمور‭ ‬ولنفتح‭ ‬الباب‭ ‬على‭ ‬مصراعيه‭ ‬لأبنائنا‭ ‬وبناتنا‭ ‬للحوار‭ ‬وترك‭ ‬الحرية‭ ‬لهم‭ ‬باختيار‭ ‬مايرونه‭ ‬مناسبًا‭ ‬لهم‭ ‬على‭ ‬قناعة‭ ‬منهم‭. ‬فكم‭ ‬من‭ ‬عادة‭ ‬خالفت‭ ‬الشرع‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬رأي‭ ‬جانب‭ ‬الصواب‭. ‬لنفتح‭ ‬المجال‭ ‬للتفكير‭ ‬والتحليل‭ ‬ثم‭ ‬اختيار‭ ‬الحل‭ ‬وتحمل‭ ‬المسئولية‭.‬

تعليقات