١٧٨- شبح

أطفاله و أحفاده مجتمعين حوله ... و هو يحكي لهم قصصاً شتى ... في هذه الليلة ... طلب منه حفيده حمد أن يحكي لهم حكاية الكارثة ... ينتفض فلاح و هو جالسٌ مكانه ... و تلوح في مخيلته فضاعة ما كان ... و عناية الخالق عز و جل ... يعدِّل من جلسته و يسترسل ...

رياحٌ عاتية ... محملةً بالكثير من حبّات الرمال الصغيرة ...  مثيرةً زوبعة عظيمة تعانق عنان السماء ... غبار مرتكز يحجب الرؤية و كأنه ستار دخاني ... بردٌ شديد ... ظلامٌ دامس ... القافلة الصغيرة مرعوبة ... خائفة من هذا الغضب السماوي ...

يدور حول القافلة ... يتفقد الجميع ... يتأكد من سلامة الجِمال ... يطمأن أن كل شيء على مايرام ... يعود إلى مكانه ... فجأة يرى شبح إنسان من بعيد ... طفلٌ صغير  في وسط العاصفة ... يمشي مبتعداً عن القافلة ... يصرخ فلاح ... لا يتلقّى أي رد ... يتلطم بغترته ... و يلحق به ... يمشي بسرعة خلفه ... لايستطيع الحاق به ... كلّما زاد فلاح سرعته ... كلما زادت المسافة بينهما ... تعترض طريقه حفرةً لم يلقي لها بالاً ... يختفي فلاح من على سطح الأرض ليقع في الحفرة العميقة ... 

تهدأ العاصفة ... و ينقشع الغبار ... تتضح الرؤية ... و يخف جنون الصحراء ... يقوم أفراد القافلة ... كلٌ ينفض الغبار عن رأسه و ملابسه ... الجميع بخير ... ينتظرون قائد القافلة فلاح ... الذي لم يجدوا له أثَراً ... يكملوا مسيرتهم إلى مساكن قبيلتهم ... و هم حزينين على فقدهم لفلاح ... 

عندما أسدل الليل البهيم أستاره ... و أمِن الجميع و استغرقوا في نومهم ... هجم عليهم قومٌ من أعدائهم ... أحرقوا الأخضر و اليابس ... قتلوا الجميع ... و نهبوا جميع ممتلكاتهم ...  ليتركوا الديار أثَراً بعد عين ... كارثةً مَحَتْهُم من على وجه الأرض ...

يستيقظ فلاح بعد مدة طويلة ... ليلمح شبح طفلٍ صغير عند فوَّهَةِ الحفرة ... و جهه مملوء بالبراءة ... يرمي عليه حبلاً ... و يُغادر ... يخرُج فلاح ... يتلفت حوله ... علّه يرى هذا الطفل ... لكن لا أثر ... يتعوذ من الشيطان الرجيم ... و يَجِدُّ في السير صوب دياره ... ليرى الكارثة التي حلَّت بقومه ... يمشي بين البقايا ... و يصوت لعلّه يجد حيّاً ... لكن بلا فائدة ... لاحول و لاقوة إلّا بالله ... 

إنتهت حكاية الليلة ... يطلب فلاح من أطفاله و أحفاده أن يخلدوا إلى النوم ... لكي يصحوا صباحاً و يذهبوا إلى مدارسهم ... في هذه الليلة ... يعود شبح الطفل إلى فلاح ... متسلِّلاً إلى حلمه ... ليرى وجهه بوضوح ... و هو يضحك ... يفزُّ فلاح من نومه ... و يقصد حفيده حمد ... البراءة نائمةٌ على وسادةٍ من نور ... يقبِّل رأسه ... و يقول ... شكراً ...

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحياة رحلة أم وجهة

الكاتم

نصيحة