١٨٧- الفيلسوف
يمشي إلى مدرسته في جو بارد ... ضاماً كتبه على صدره بكلتا يديه ... علّها تشعره بالدفء ... رياح باردةٌ تلفح وجهه ... أنفاً أحمر ... و عينين دامعتين .. يكافح هذه الظروف ... لأن له حُلُمٌ ... حُلُمٌ كبير ... يسعى لتحقيقه ... في القريب العاجل ...
يسكن مع عائلته ... بيتهم عبارةً عن أرضً فضاء ... يحيط بها سورٌ من الطابوق الإسمنتي العارِ ... على أطرافه ثلاث غرف من الخشب البالي ... لها سقوف خشبية مائلة ... تسمع صفير الرياح تخترق فتحاتها الغير محكمة ... تفتح على حوش رملي غير مسقوف ... كلما تغيرت وجهة الرياح ... أثارت أتربةً تتخلل جميع غرف المنزل ... حياةٌ صعبة ... لجميع أفراد العائلة ... و فهد يعمل على تغيير ذلك ...
يصل إلى مبنى المدرسة بعد أن قطع كيلومترات خمس ... في جو بارد حقّاً ... جميع زملائه يحضرون بسيّاراتهم الخاصة ... أو مع سائق خاص ... و هو يحضر وحيداً ... جسم هزيل ... يدخل من باب المدرسة الحديدي الضخم ... يرقى درجات سلم المدرسة للوصول إلى فصله في الطابق الثالث ... يدخل أوّلَ الطلّاب ... يجلس على أحد مقاعد المقدِّمة ... يفتح كتاب الجيولوجيا ... و يبدأ تصفُّح درس اليوم ...
يحب العلوم جميعها ... يجد متعةً حقيقية في معرفة قواعد العلم و خفاياه ... دائماً مايتخيّل نفسه في موقع الأستاذ ... و هو يأخذ طلّابه في رحلةٍ إلى أعماق الأرض ... و يطير بهم إلى أعالي الفضاء ... يحمل في رأسه عقلاً متفتِّحاً ... مُستوعباً ... شغفاً للمزيد ... يسبق من حوله بطريقة تفكيره المتفتحه ... النهمه للجديد ... مستمع جيد و محاورٌ ممتاز ... لم تثنه ظروف معيشته ... من أن يدلي برأيه ... و يناقش مايراه خطأً ... يحبه جميع مدرسيه ... و بعضاً من الطلّاب ... حيث يشعرون بأنّه يبالغ في نقاشاته من أجل حُبِّ الظهور ... و مع ذلك فإن الجميع يحترمه ... و يعمل له ألف حساب ... فهو دائماً لايتفوّه من جهل ... بل من حسن تقييمٍ للأمور ... و رصيدٍ كبير من المعلومات ... و تجهيز لأفكار يطبخها جيَّداً ... قبل أن تخرج من بين شفتيه ... لذا ... يلقبه الجميع بالفيلسوف ...
والده بسيط ... أبعد مايراه .. أن يعمل إبنه فهد معه في الدكّان الصغير الذي على ناصية الشارع ... ليبيع الحلوى و الكعك و العصير على أطفال الحارة ... تفكير متواضع جدّاً لإمكانيات مثل إمكانيات فهد ... خاصةً بعد أن أنهى المرحلة الثانوية بمجموع كامل ... و حصل على بعثةٍ دراسية من وزارة التعليم العالي ... ليدرس مادة الجيولوجيا في أرقى الجامعات الأمريكية ...
ناقش أمر البعثة مع والديه ... الذين عارضا هذا الأمر معارضةً تامّة ... ماذا يفعل فهد ... فهو يعلم جيداً ما يريد ... و المستقبل بالنسبة له طريق طويل يحقق به حلماً كبيراً ... كبيراً جدّاً ... يتعدّى شخصه و عائلته و قريته و بلده ... فهو يسعى إلى تغيير العالم بأفكاره ... إلى جعل العالم أجمل و أنصف و أعدل ... ليعيش فيه الجميع بسلام و أمان ... هدفٌ عالٍ جِدّاً ... لا يفكِّر فيه إلّا من يحمل همَّ العالم ... أجمع ... يغري والديه بالمادّة ... فهو يعلم أن تفكيرهما بسيط ... و إذا علما أنّه سوف يرسل لهما أكثر مما يحصل عليه والده بصفة شهرية ... لن يمانعا بسفره ... مع تأكُّده بأنهما يحبانه حتّى النخاع ... و لكن بالنسبة إليهما ... تحسين مستوى حياة لم يستمتعا بها ... تعني لهما الكثير ...
الطريق واضحٌ بالنسبة له ... يبذل جهداً غير عادي في دراسته ... و يُشِعُّ ذكاءاً غير مسبوق ... لدرجةٍ أدهشت مدرِّسيه ... ليتخرّجَ بشرف و علامات كاملة ... و معدل غير مسبوق ... متوسط علاماته التراكمي كان ٤ من ٤... مستوى مشرِّف له و و لعائلته و لبلده ... استمر في اكمال تعليمه ... بمباركةٍ من وزارة التعليم العالي و تشجيع من الوزير نفسه ... حتى حصل على درجة الدكتوراه في علم الجيولوجيا ... متخصصاً في جيولوجيا الربع الخالي ... و بطلبٍ من جامعته الأمريكيّة ... سمحت له وزارة التعليم العالي بأن يتابع دراسات ما بعد الدكتوراة ... في معامل الجامعة ... حيث قام بالكثير من البحوث خلال سنتين ... فاقت عدد البحوث التي قام بها جميع دكاترة القسم الذي عمل فيه ...
في نهاية عقده ... قدَّمت له الجامعة عرضاً مغرياً ... براتب يتعدى راتب الوزير ... و حوافز كثيرة تضاعف ذلك المبلغ أضعافاً مُضاعفة ... و تسخير عدة معامل تحت تصرفه ... و إعطائه ميزانيه سخيه ليُنهى مابدأه من أبحاث حازت على اهتمام جميع علماء الجيولوجيا في العالم ... فهد ... و بحس وطني رفيع ... رفض كلّ ذلك لأن لديه حُلُم ... بأن يأخذ بيد وطنه إلى مستوى عالمي غير مسبوق ... ليعود إلى بلده و إلى عائلته ... ليُستقبل أحسن استقبال ... و تقام على شرفه أكبر الإحتفالات ... فالجميع فرح بانجاز ابن الوطن ... و متطلعٌ إلى عطاء أكثر ... و جهد أعظم ...
بعد شهر من قدومه ... تم تعيينه في جامعةٍ كبيرة داخل الوطن ... و تم اعطاءه مكتب صغير ... و تكليفه بتدريس مادتين كل فصل دراسي ... فقط لاغير ... علامات استفهام كثيرة ... هل هذه هي الطريقةالتي يتم بها الإستفادة من شخص لديه إمكانات و قدرات فهد؟ ... هل هذه نكتة أو كاميرا خفيَّة؟ ... هل هناك إحباط أكثر من هذا؟ ...
يودِّعُ أهله و أحبّائه ... يحمل حقيبته الصغيرة ... يلملم إحباطاته و انكساراته ... و يبكي على وطنٍ خيّبَ أمله و قتل روح العزمية داخله... يغادر إلى الولايات المتحدة الإمريكية ... لكي ... يطلق المارد من قمقمه .. يطلق إبداعاته الحبيسة ... يطلق علمه و خبرته لتساعد البشريّة ... و لا يزال لديه حُلُم ... بأن يأخذ بيد وطنه ... ليضعه بين مصاف الأمم المتقدِّمه ...
قصه جميله تحكي واقع مرير.
ردحذف